هل ستقصف الولايات المتّحدة ايران؟ هل ستقصف الولايات المتّحدة ايران؟ من أكثر الأسئلة التي يتم طرحها في حلقات السمر مع الأصدقاء او النقاش مع الزملاء الكتّاب والمحللين. البعض يطرح السؤال وهو يريد انّ يسمع الجواب الذي يرضيه، والبعض الآخر يطرح السؤال متسائلا عمّا اذا كانت رؤيته للأمور وتحليله للاوضاع صائبا، لتتنوع الاجابات فيما بعد بين من يجزم بأنّ هناك ضربة أمريكية لايران، وبين آخر يؤكّد بأنّ ذلك لن يحصل مطلقا. وبين هذا التوجه وذاك، لا يمكننا القول انّ هناك شيئا ثابتا وقاطعا في العلاقات الدولية، اذ غالبا ما يتم اتّخاذ القرار بناء علي مقياس المصلحة والمنفعة. فان اقتضت مصلحة أمريكا ضرب ايران ضمن الخيارات المتاحة لديها والأوراق التي تمتلكها، فانها ستضربها بغض النظر عن تداعيات ذلك متجاوزة السؤال هل يمكن الي الجواب مضطر للمصلحة . امّا اذا كانت مصلحة الولايات المتّحدة تتحقق من خلال عدم ضرب ايران، فانها لن تضربها مهما بدا للجمهور او للاعلام او للرأي العام بأنها مقدمة علي تنفيذ ضربة عسكرية. في الزاوية الاخري الأوسع من المشهد، هناك قاعدة اساسية ثابته تقول باختصار لا مفاوضات من دون ضغوط، ومن يفاوض من دون ضغط يخسر حتي قبل ان يبدأ التفاوض . في هذا الاطار يمكننا ان نلاحظ ان سلسلة من الاجتماعات المباشرة وغير المباشرة الرسمية حصلت في الأشهر القليلة الاخيرة بين الولايات المتّحدة وأمريكا في العراق، ويبدو انّ ايران اعتقدت انّ وضع الولايات المتّحدة المنهار في العراق بفضل المقاومة العراقية سيمنحها اليد العليا اقليميا، وقد أظهرت ذلك من خلال العبث في الساحات في لبنان وفلسطين وزيادة نفوذها بشكل واسع وكبير جدا في العراق لأول مرّة منذ عقود طويلة العراق، مما حفزّها بالتالي الي التوجه للميدان الحيوي لها في الخليج العربي، والذي تسعي الي توسيع نفوذها فيه تاريخيا. هذا الوضع دفع ايران الي توجيه رسائل قوية جدا خلال نفس القترة السابقة الي كل من الكويت والبحرين والامارت والسعودية في آن. فتمّ اهانة البعثة الديبلوماسية الكويتية في ايران والاعتداء علي أحد أفرادها بالضرب من قبل الحرس الثوري، ثمّ هدّد اعضاء من مجلسي الشوري الايراني الكويت بأنها ستكون الضحية الأولي لأي توتر في المنطقة، ولمّا لم يلقوا أي رادع تابعوا تحركاتهم ولكن هذه المّرة باتجها البحرين، فاعلن المستشار الاعلامي لمرشد الجمهورية الايرانية علي الخامنئي، السيد علي شريعتمداري في مقال له في جريدة كيهان الرسمية أنّ البحرين جزء من الأراضي الايرانية. من ثمّ نتفاجأ فيما بعد بانّ الخارجية الايرانية تشكّل لجنة تحقيق بشأن خطبة دينية القاها الشيخ صالح آل طالب في المملكة العربية السعودية!! هذا الوضع الذي اعتقدت فيه ايران انّها امتلك المنطقة فعلا، شكّل ردّة فعل عكسية لدي هذه الدول وكان من الطبيعي ان تدخل الولايات المتّحدة علي الخط لحماية مصالحها ايضا. من هنا يعتقد الأمريكيون انّ التلويح بضرب ايران بشكل علني ورسمي سيعمل علي تقليص هذا الانتفاخ الايراني وسيساعد ايضا في الضغط عليها في المفاوضات الحاصلة بين الطرفين، سواء حول العراق او حول مواضيع اخري ومنها الموضوع النووي بطبيعة الحال. و عليه، فاذا استجابت ايران لآلية التهديد بضربة عسكرية والتي ترافق سلّة العقوبات الاقتصادية الأممية والدولية، فهذا يعني انّ التهديدات بشن ضربة عسكرية قد أثبتت مفعولها، امّا اذا رفضت ايران هذه الآلية في التعاطي معها فهذا يعني أننا أمام مأزق. يتجلّي المأزق في انّ ترك ايران دون ضربها سيجعل منها أكبر قوّة اقليمية علي الطلاق خاصّة بعد انّ هيّأت الولايات المتّحدة لها ذلك عبر تدمير أفغانستان والعراق، وبالتالي سيكون من الصعب في حينه فرض أي شيء عليها او المساومة معها او حتي اخضاعها لمبدأ احترام الجوار الاقليمي. امّا الخيار الثاني فهو توجيه ضربة لايران، والولايات المتّحدة تستعد عمليا علي ارض الواقع لكل الخيارات الممكنة بما فيها هذا الخيار، ولذلك فهي تحاول ان توحي ان كلامها جدّي وليس مجرّد مناورة نفسية وحرب اعصاب، والحشود الأمريكية العسكرية الموجودة الآن في الخليج سواء البحريّة او البريّة او الجوية تعتبر الأضخم علي الاطلاق في تاريخ امريكا في المنطقة. فيما يتعلّق بالايرانيين، فهم ليسوا بالغباء الذي يسمحوا فيه للولايات المتّحدة بأن توجّه ضربة عسكرية لهم، جل ما يريدونه هو محاولة استغلال الضعف الامريكي لتحقيق مصالحهم الخاصة في الخليج. القيادة الايرانية في غالبها براغماتية، امّا الصياح والضجيج الذي نسمعه فهو محصور علي توزيع الأدوار والهدف منه اعلاء سقف التفاوض وتقويض آلية التهديد الأمريكية. اذ جرت العادة من خلال المتابعة المستمرة للسياسة الايرانية، بأن تقوم ايران بالاستجابة في الدقائق الاخيرة ان ـ صحّ التعبير ـ مقابل ان تحصل علي اكبر قدر من المكاسب عبر المساومات. الخطير في الأمر هذه المرّة أنّ وضع امريكا المهترئ في العراق وضعفها قد يغري ايران بعدم الاستجابة للضغوط، وهنا تكون ايران تقامر حين تعتبر انّ امريكا ضعيفة ولن تضربها وانّ الخيار العسكري هو مجرّد حرب اعصاب. اذا المسألة محكومة بمجريات التحركات السياسية والتحليل الشخصي يدفع الي القول بأنّ امريكا في المبدأ لا تريد ضرب ايران، امّا اذا اقتضي الأمر فهي قادرة علي فعله ولن يوقفها لا ارتفاع اسعار النفط ولا الردود الايرانية ولا سائر المعوقات الاخري. علي حسين باكير